النويري
29
نهاية الأرب في فنون الأدب
أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام ، وإن كانت كلَّها للَّه إذا صلحت فيها النّيّة وسلمت منها الرعيّة . وليكن في خاصّة ما تخلص للَّه به [ دينك ] إقامة فرائضه التي هي له خاصّة ، فأعط اللَّه من بدنك [ 1 ] في ليلك ونهارك ، ووفّ ما تقرّبت به إلى اللَّه تعالى من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ . وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكوننّ مفّرا ولا مضيّعا ؛ فإن في الناس من به العلَّة وله الحاجة ؛ وقد سألت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين وجّهنى إلى اليمن كيف أصلَّى بهم ؟ قال : « كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما » . وأما بعد هذا فلا يطولنّ احتجابك عن رعيّتك ، فإن احتجاب الولاة عن الرعيّة شعبة من الضّيق وقلَّة علم بالأمور . والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه ، فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحقّ بالباطل . وإنما الوالي بشر لا يعرف ما يوارى عنه الناس من الأمور ؛ وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصّدق من الكذب . وإنما أنت أحد رجلين : إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحقّ ، ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه أو فعل كريم تسديه ؟ وإما امرؤ مبتلى بالمنع ، فما أسرع كفّ الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك ! مع أنّ أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤنة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة . ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول [ وقلة إنصاف في معاملة ] ، فاحسم مادّة ذلك بقطع أسباب تلك الأحوال . ولا تقطعنّ لأحد من حاشيتك وخاصّتك
--> [ 1 ] كذا في نهج البلاغة ، وفى الأصل : « من ذلك . . . » .